مقالات

أنس رزق يكتب: حَدِدْ هَدَفكَ

الإنسان الناجح هو الذي يحدد هدفه دائماً ، ويسعى لتخطيطه ، ولا يتوقف لحظةً واحدةً حتى وإن كان الطريق مليئاً بالأشواك؛  فالأهداف قد تكون صعبة المنال في الوقت الحالي ، وهذه طبيعة كل مرحلة تقبل عليها ، فأي طريق في بدايته يكون صعبًا ، ولكن العقبات تتذلل بمجرد إقدامك على تلك الخطوة بلا خوفٍ أو ترددٍ أو رجوعٍ إلى الخلف.

ولنا في رسول الله أسوة حسنة وقدوة ليس لها مثيل على الإطلاق؛ فقد كان في مكة مستضعفًا لمَّا أعلن بالتوحيد لله عز وجل ودعا قومه لها فنصبوا له العداء وأَذَوْهُ وجميع من سار على دربه ﷺ من الصحابة رضوان الله عليهم  ، فلما رأى جمود أهل مكة وصدودهم عن الدعوة ما كان منه ﷺ إلا أن يبدأ مرحلةً جديدةً في التخطيط لنشر الدعوة إلى الله عز وجل ، فأمر الصحابة أن يهاجروا إلى الحبشة فإن عندهم ملكٌ لا يظلم عنده أحد ، ثم بدأ في وضع خطة للخروج من مكة أمناً ليقيم الدعوة هناك في المدينة المنورة ، فوضع خُطة إستراتيجية واضحة المعالم فبدأ ﷺ بتنفيذها على الفور، وإليك هذه الخطوات التي سلكها ﷺ وهي كالأتي :-

1-  لابد من أن يخرج من مكة ليلاً حتى لا يراه أهل مكة.

2-  لابد له من صاحب يشد على أزره ويعاونه في تلك الرحلة ، فاتخذ أبا بكر صاحبًا في تلك الرحلة.

3-  لابد وأن يكون معه ناقتين قويتين تتحمل عناء السفر، فأمر أبا بكر فأتي بهما إلى النبي ﷺ.

4-  لابد وأن يكون معه رجل يعرف الصحراء جيدًا ويكون أمينًا لكي يحفظ سرهما ، فأتى بعبد الله بن أريقط  ليدله على الطريق الموصل إلى المدينة.

5-  أهل مكة أدرى بشعابها فهم يعرفون طريقاً واحداً للمدينة ،  فاتخذ النبي طريقًا آخر غير الطريق الذي سلكوه ، وكان شاقًا عليه ﷺ.

6-  لو سار في الصحراء فسيعرف القوم أين اتجهوا من آثار الأقدام ، فأتى بعامر بن أبي فهيرة بغنمه لمحو آثار الأقدام.

7-  لابد من شخص يأتي لهم بأخبار قريش وما يتحدثون ويرغبون فعله بالنبي وصحبه ، ومن يأتي لهم بالطعام أيضًا لكي يصمدوا في تلك الغربة الموحشة ، فجعل عبدالرحمن بن أبي بكر يأتيهم بالطعام ليلاً ، ويُحدِثهُم بما يريد أهلُ مكةَ فِعْلَهُ بالنبي ﷺ وأبا بكر.

8-  عَلِمَ أن القوم ينتظرونه أمام بيته، فاتخذ حيلة لم يتوقعوها ، فجعل عليًا رضي الله عنه ينام في فراشه ليوهم القوم أنه ما زال نائماً ، ثم صعد على سطح الدار وأسكب عليهم التراب ، فعَمُوا ولم يروه ﷺ حين خروجه.

أرأيت الخطة والاستراتيجية الواضحة من أجل الوصول  إلى الهدف ، وفعلاً تحقق الهدف بفضل الله عز وجل وأسس النبي ﷺ دولة قوية بالمدينة لم تقدر عليها أقوى الأمم على الإطلاق.

فلا حياة لمن لا هدف له ، والشيء الذي يميز الإنسان عن الحيوان هو العقل ، فيبدأ بالتخطيط ويسلك الطريق السوي الذي لا إعوجاج فيه.

يقول الله تعالى: (أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى ٰصِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)[1]

والأهداف تختلف من شخص لِأخر، فمن الناس من يريد أن يصبح طبيبًا مشهورًا فيسلك الطريق الذي يحقق له هذه الشهرة ، ومنهم من يريد أن يصبح عالمًا كبيرًا في الدعوة إلى الله عز وجل، فيأخذ بالأسباب التي توصله لهذا الهدف ؛ وهو الإجتهاد في تحصيل العلم ، ومن ثم يلازمه التجرد والخشية لله سبحانه وتعالى .

إذاً لكل إنسان هدف يسعى لتحقيقه ، ولكن الناجح هو من يضع استراتيجية واضحة للوصول إلى ما يريده.

انظر إلى القرآن الكريم يصور لنا بعض الأمثلة التي توضح لنا الطريق الذي يوصل للهدف من خلال التخطيط السليم.

قال تعالى:  (وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْل ِأَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمّ َ كُلِي مِن كُل الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّك ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِف ٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69))[2]

فالله عز وجل يأمر النحل بأن  يتخذوا أماكن مناسبة للتغذي منها ، ومن ثم لا يصيبها ضرر، ثم تضع عسلها فيها، بخلاف لو سكنت في المدن وبين الناس وبعيدًا عن النبات والشجر فإن النحل لا يستطيع أن يُقدم شيئًا ، بل ربما تشرد وهرب إلى أماكن أخرى.

وفي ذلك المثل عبرةً للإنسان أن يضع النقاط ويرسم المعالم التي يمر بها لتحقيق هدفه ، ومن ثم يضع البرنامج المناسب والوسائل الناجحة لتخطيطها وتجاوز العقبات التي ستحدث له في تلك المرحلة.

 الخلاصة
لكي تحقق هدفك لابد من وضع خطة مناسبة وأسباباً سليمة وأهما ما يلي:-

1- أن يكون هدفك واضحًا ولا تكن مشتتًا.

2- أن يكون الهدف الذي تبغي الوصول إليه مشروعًا وحلالاً.

3- أن ترتب أهدافك حسب الأولويات.

4- أن تحدد هدفك بوضع خطة مناسبة لذلك.

5- أن تستخدم الوسائل المباحة وأن تبتعد عن المحرمات.

6- أن تحدد الوسائل الممكنة لتحقيق الهدف وأن تبتعد عن الخيال وأن تنزل إلى أرض الواقع.

7- أن تحدد زمنًا معينًا لتحقيق الهدف واستثماره بشكل دقيق.

 

 – [1]سورة الملك رقم (22 ).

 – [2]النحل  ( 69 ).

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات