مقالات

طارق دياب يكتب: «إيجابيات الرحلة وروعة النهاية»

«أبو العلا جانا وفرحنا به بعد غيابه»..

من أجمل ما يتميز به هذا المسلسل أن النهاية أتت واقعية وتحترم عقل المشاهد (فشل الأولى وفشل ارتباط مجدي البشري ونجوى عبد الحميد) ولكن المؤلف لا يتركنا نغرق في دوامة الإحباط واليأس فيضئ لنا ومضات أمل لقلوب حالمة بغد أفضل وحياة أجمل ويعطي لنا جرعة ثقة بأننا سوف نجد في نهاية النفق المظلم الضوء الذي يهدي الإنسانية إلى الحق والخير والسعادة. وتتمثل تلك الومضات وهذه الجرعات في الأثر الإيجابي الذي تركه (أبو العلا) في الآخرين. صحيح أنه (لخبط) حياته عندما ظن بسذاجته قدرته على إصلاح المحيطين بمفهومه الخاص الضيق عن الإصلاح دون النظر لظروف الآخرين ودوافع تصرفاتهم ودون رؤية واضحة فهو لم ير من جبل الجليد سوى قمته فكانت النتيجة الحتمية انهيار مشروعه الإصلاحي مثلما انهار مشروع أبراج البشري ولكن كما يظهر معدن الشعب المصري الأصيل في وقت الأزمات رأينا التحول ألدي حدث لأبطال المسلسل بعد هروب (مهران) وإلقاء القبض على (أبو العلا) وكان ذلك واضحاً في:

1- توحد جميع الشخصيات التي تعاملت مع (أبو العلا) على هدف واحد وهو جمع مبلغ الكفالة. كلهم تساموا على احتياجاتهم وظروفهم الصعبة وأصبح همهم إخراج (أبو العلا) من السجن حتى العمال البسطاء والموظفين الذين عملوا معه جادوا (بتحويشة عمرهم) من أجل هذا الرجل الذي طالما وقف معهم في أزماتهم. ورأينا (هالة) البنت الدلوعة التي كانت تكره تدخلات (أبو العلا) في أمور حياتها تتنازل عن كل ما تملكه من (الذهب) لاستكمال مبلغ الكفالة. أخيراً فهمت أن تدخلات عمها كان بهدف تقويم سلوكها ونزع رداء الأنانية والغرور من شخصيتها.

2- التغيير الذي حدث لنعمات (كريمة مختار) بدايةً من إقناعها لصفوت (محمد وفيق) للاعتراف بالحقيقة وتبرئة عمه وتغليب ضميرها على عاطفة الأمومة ومروراً بقيامها بتحمل مسؤولية البيت بعد قرار (أبو العلا) بترك البيت والذهاب إلى (سخا) وحرصها على أن تسير الأوضاع على القواعد التي أرساها (أبو العلا) لتنظيم أمور البيت ورأيناها تعنف لأول مرة (هالة) دلوعتها على خروجها بدون إذن وهي التي كانت تشكو في بداية المسلسل من عدم سيطرتها على أولادها وانتهاءً بتسديد ديون (أبو العلا) حتى لو ضحت بالبيت الذي تملكه.

3- استعادة (زكريا البشري) (محمد توفيق) هيبته وسيطرته على بيته وعودة زوجته (تحية) (زهرة العلا) لاحترامه ودخولها تحت رداء طاعته بعدما رأينا في بداية المسلسل أن صوتها كان يعلو على صوته وذلك بعد طرد (مراد) (وحيد سيف) قائد الثورة المضادة لإفساد البيت. وتخلص (مديحة) (ماجدة ذكي) من تأثير زوجها عليها ورفضها أن يعيش أولادها من المال الحرام وتسليمها حقيبة زوجها لأخيها (مجدي) لمجرد شكها أن زوجها يقوم بعمليات (نصب) باسم (أبو العلا) بعدما كانت تقف في صف زوجها ضد أبيها وأخيها.

4- التغيير الإيجابي الذي حدث ل(عمرو) (محمود الجندي) وانتظامه في كليته وتركه لحياة الاستهتار وأمور النصب وخداع الآخرين. وإذا كان حديث (ليلى) هو السبب المباشر لهذا التغيير إلا أن نصائح عمه (أبو العلا) وتحفيزه له على الالتزام والانضباط وتحمل المسئولية كان من ضمن أسباب هذا التغيير ورأيناه يبيع المحل الذي يشارك عليه (وهو الشيء الوحيد الذي استفاد به من فلوس عمه) من أجل سداد الكفالة.

5- وضع (محسن) (علي الحجار) على الطريق الصحيح لتقديم فن يرتقي بأحاسيس الناس وهو الذي كان يتخبط في بداية طريقه بالغناء في الكباريهات والاستسلام لموجة الأغاني الهابطة.
6- رعايته ل(ليلى) (صابرين) ابنة (ريحان) وانتشالها من الفقر واليتم وتعويضها عن والدها المتوفي وتقديم كافة أشكال العناية بها والدعم لها نفسياً وصحياً وتعليمياً بحنان وحب أبوي حتى تخرجها من الثانوية والتحاقها بكلية الطب.

تذكرني نهاية المسلسل بنهاية الفيلم الأجنبي (بروبيكر Brobacker) بطولة الممثل الرائع (روبرت رد فورد) ويحكي الفيلم عن مأمور سجن من فصيلة (دون كيخوتة) و(أبو العلا البشري) يتولى مسئولية سجن جديد يشتهر بانتهاكاته لحقوق السجناء . يذهب المأمور إلى هذا السجن بغرض إصلاح أحواله ولكنه يفشل في بداية الأمر في كسب ثقة السجناء للتعاون معه والإدلاء بأية معلومات بشأن ما كانوا يتعرضون له من انتهاكات. كما أنه يتلقى تحذيرات من رؤسائه بغلق هذا الملف نهائياً ولكنه يصمم على كشف الجرائم التي ارتكبوها مسئولون سابقون عن السجن فيكون جزاؤه الفصل والطرد من الخدمة وعندما يجمع أغراضه لمغادرة السجن أمام أعين السجناء يتعاطف السجناء معه ويقومون بالتصفيق له بالرغم من فشله في تحقيق المهمة التي جاء من أجلها لأنهم شعروا بصدق هذا الرجل وأنه ضحى بمستقبله الوظيفي من أجلهم.

يكافئ السجناء مأمورهم المفصول بالتصفيق وهذا كل ما يملكونه مثلما أحاطت شخصيات المسلسل (أبو العلا) بمشاعر الحب والعرفان الصادقة ووقوفهم بجانبه في أزمته بعدما تخلصوا من نزعة الأنانية واللامبالاة والاستسلام لقيم المجتمع المادي. وعلى الرغم مما لاقاه في رحلته الأولى من متاعب تسببت في (لخبطة) حياته، و على الرغم من الأخطاء والحماقات التي ارتكبها واستعماله لأسلحة عفا عليها الزمن فها هو نداء الواجب يستدعيه ودقات الرسالة المقدسة تناديه لبداية رحلة جديدة يحاول أقرباؤه منعه من القيام بها في نهاية دائرية (تبدأ من حيث تنتهي وتنتهي من حيث تبدأ) مفتوحة تثير التساؤلات في عقل المشاهد ليشارك المؤلف في البحث عن إجابات لها (هل سيتمكن أبو العلا من القيام بالرحلة الجديدة أم سينجح أقرباؤه وأصدقاؤه في الوصول في الوقت المناسب لمنعه؟ وهل أنت عزيزي المشاهد معهم في هذا الأمر أم ضدهم؟؟؟؟؟).
خاتمة:

وأخيراً أبعث برسالة إلى هذا الطفل ذي العشر سنوات الذي شاهد المسلسل لأول مرة في عام 1985 وحزن على فشل (أبو العلا البشري) في رحلته الأولى وسقوط (مجدي البشري) أقول له:

ها أنت قد كبرت وأصبح عمرك خمسة وأربعين عاماً وشاهدت المسلسل مرات ومرات وكل مرة تكتشف فيه زاوية جديدة ونافذة أخرى للمتعة الفنية والفكرية. فلا تحزن على فشل بطلك الهمام في رحلته فمن رحم الهزيمة ستتولد العزيمة للفوز والنجاح ومن معاناة الألم سيتجدد الأمل. ومن يزرع الورد فحتما سيجني العطر حتى لو أدمى شوك الورد يديه. واطمئن فلن يخذلك (أبو العلا) حتى لو فشل عشرات المرات لأنه في داخلك وداخل كل انسان يحاول تغيير حياته للأفضل وسوف يقف بجانبك في أزماتك مثلما غنى (على الحجار) في تتر النهاية (يا صاحبي … يا صديقي … ياللي طريقك طريقي … ده يوم ما أعيش لنفسي … ده يوم موتي الحقيقي) فأبو العلا فكرة لم ولن تموت لمن يبحثون عن تطهير أرواحهم والانتصار لكل المعاني والقيم الجميلة التي فقدناها في زحمة الحياة. فحاول استنهاض (أبو العلا) الذي في داخلك حتى لو فشلت فحاول مرة أخرى وحاول أن تتعلم من دروس تجاربك السابقة فلا تقف عاجزاً خائفاً في مكانك حتى لو حاصرتك جدران اليأس. وتذكر كلمات (أمل دنقل):

(آه … ما أقسى الجدار
عندما ينهض في وجه الشروق.
ربما ننفق كل العمر … كي ننقب ثغرة
ليمر النور للأجيال …. مرة !!
ربما لو لم يكن هذا الجدار
ما عرفنا قيمة الضوء الطليق)
فلا تستسلم يا صديقي ويكفيك شرف المحاولة … يكفيك شرف المحاولة


هذا المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه ولا يعكس بأي شكل من الأشكال وجهة نظر «شبكة وقت»، كما لا يترتب علينا أي مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات