مقالات

الدكتور حسام بدر يكتب: «المسألة الأثيوبية وخيار شمشون»

تتشابك اليوم العقدة التاريخية والصراعات السياسية بين مصر وأثيوبيا في مسالة مياه النيل، التي تُعد بالنسبة لنا مسألة وجود، فقبل ألفي وخمسمائة سنة حينما أطلق المؤرخ الإغريقي “هيرودوت” عبارته الشهيرة “مصر هبة النيل”، إنما جاء ليشير إلى حقيقة لا تقبل الجدل، تؤكد على أن وجود مصر مرهون بسريان مياه النيل واستمرار وجوده؛ والقارئ للتاريخ لابد له في هذا أن يستحضر تاريخ الصراع ضد مصر بعد انتهاء الحروب الصليبية بقرنين من الزمان، وذلك حين كلّف ملك البرتغال مانويل الأول ) توفي 1521) المستكشف البرتغالي «فاسكو دا غاما» (توفي 1524) أن يقوم باكتشاف الأراضي المسيحية في شرق آسيا ، وذلك بهدف فتح أسواقها التجارية للبرتغاليين، فلما وصل إلى موزمبيق كتب إلى البابا في روما الإسكندر السادس (توفي 1503) « الآن طوقنا المسلمين ولم يبق إلا أن نشد الخيط»، ولما نزل بالحبشة اتجه إلى ملكها ليقنعه بتحويل مجرى مياه الهضبة الأثيوبية إلى البحر الأحمر لخنق النيل وموت مصر عطشا التي انتصرت في الحرب الصليبية؛ وقد كلفت بعثة هندسية آنذاك لتدرس إمكانية نسف جزء من بحيرة “تانا” (منبع النيل الأزرق وأكبر بحيرة في إثيوبيا) وذلك لتحويل مياهها في المحيط ولا تجري في النيل، وذلك لإسقاط دور مصر في صراع الغرب معها، الذي يهفو إلى السيطرة على جميع الشرق باسم الصليب مرة أخرى.

اشتد حجم المتغيرات في حركة الخريطة السياسية برغبة إسرائيل في واقعنا المعاصر في الالتفاف حول مصر والتمدد على حساب حدودها المختلفة، بعد أن اختلفت حقائق القوى وموزاينها بصورة خطرة لم تعد في صالحنا على جميع الأصعدة، تجعلنا أمام مرحلة جديدة لابد لنا حيالها طرح تصورات سريعة في مواجهة أزمتنا مع إثيوبيا قبل التعامل معها بصورة حازمة؛ لنجد أنفسنا في فضاء من التعقيدات السياسية، تفرض علينا ترتيبات أخرى جديدة لتحويل دفة موازين القوى نحونا لحل الأزمة الأثيوبية والخروج منها، وخاصة بعد أن فقدنا كثيرا من علاقتنا الإيجابية بأثيوبيا بفعل السياسة الخارجية في فترة مبارك.

لقد أفلحت السياسة المصرية حين قامت مؤخرا بخطوة المصالحة مع تركيا، وهو أمر نجده محمود ؛ إلا أن السؤال هنا: هل يمكن توسعة خطوة كهذه بصورة يمكن من خلالها استيعاب يضا ايران؟ ويا ليت أن يتم ابرام اتفاقيات للدفاع المشترك بين هذه الدول الثلاثة في إطار من المصالح المشتركة، وذلك إذا سمحت مستجدات التحولات العالمية الحالية القيام بذلك؛ ففي هذا نوع من التلويح بوجود قوة ردع قوية توجه إلى أي من تسول له نفسه للنيل من حصة مصر المائية، وخاصة أن النظام السياسي الحالي كان قد أعلن أنه لا يرى غضاضة في إقامة علاقات قوية مع إيران، طالما لم يتعارض ذلك مع أمن الخليج.

مثل هذا الخطوة يمكن أن تدفع أثيوبيا نحو الإسراع إلى وضع تصور بديل يلبي احتياجات شعوب أثيوبيا ودولتي المصب (مصر والسودان) بشكل أفضل، ينأى بالجميع عن أي صراعات، الجميع فيها خسر لا محالة؛ ويمكن أن يصاغ هذا التصور في صورة إتحاد كونفيدرالي ذي طبيعة خاصة ؛ وأقصد بالطبيعة الخاصة هنا أن يكون هناك شراكة بين المؤسسات العسكرية بالإضافة إلى المؤسسات السياسية، يكون هدفها الأساسي والرئيسي الذود عن مياه النيل عن أي عدوان خارجي أو إساءة استخدامه بصورة تضر بأي دولة منهم ، وخاصة أن هناك من الدول من لا تريد لمصر الاستقرار والوصول إلى بر الأمان بعد أن تلاطمتها أمواج التذمر الداخلي في الأونة الأخيرة.

وفي حالة استمرار إثيوبيا في تعنتها ومماطلتها وتسويفها للحيلولة دون الوصول إلى حل يرضي الجميع، فلن تجد مصر مفرا لحماية أمنها القومي والحفاظ على حصتها التاريخية في مياه النيل، أن تتخذ كل الإجراءات اللازمة تجاه هذا الأمر الجلل، ولو تطلّب ذلك أن يكون “خيار شمشمون” هو خيارها الأوحد؛ فمصر هي هبة النيل!


هذا المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه ولا يعكس بأي شكل من الأشكال وجهة نظر «شبكة وقت»، كما لا يترتب علينا أي مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة.

 

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات