مقالات

حسام بدر يكتب: «الأزهر كقوة ناعمة والماء المسكوب»

في عالم متحول ومتغير أشبه ببحر لجي تتبارى فيه كل دولة من أجل مصالحها وفي صراعاتها لتتمكن من”القدرة على النفاذ والتسلل” إلى أدق تفاصيل الدول الأخرى، لييس فقط السياسية منها والعسكرية، بل أيضا المجتمعية؛ وتستخدم في ذلك كل الوسائل التي أتاحتها ،التكنولجيا الحديثة كوسائل التواصل المجتمعي، والتجسسس على هواتف المحمول، تقتحم عبرها كل أمر في حياة الآخر ولو تطلب ذلك التسلل إلى غرفات النوم، مثل هذا يندرج تحت ما يُطلَق عليه “القوة الناعمة” Soft power، التي تُستخدم بصورة هادئة في الإقناع وكسب القلوب والعقول بدلاً من الحروب، ويماثل ذلك التعبير الإنجليزي ” ببطء لكنه أكيد” slow but sure.

والحقيقة أن مفهوم”القوة الناعمة” ليس بجديد في التجربة الإسلامية على مر التاريخ، ويمكن للمرء أن يتيقن من ذلك حين يدرك أن انتشار الدين الإسلامي في دول كماليزيا وأندونسسيا كان بفعل الأنماط السلوكية والأخلاقية للسادة الصوفية؛ بل هناك بعض المؤرخين قد ذكر أن دخول العرب إسبانيا وانتشار الإسلام في ربوعها لم يكن إلا عن طريق القوة الناعمة؛ ومثال ذلك كتاب ” العرب لم يستعمروا إسبانيا- ثورة الإسلام في الغرب” للمؤرخ الإسباني إغناسيو أولاغوي ، الذي قام بترجمته ترجمة دقيقة كل من أ.د. علي المنوفي (رحمه الله) وتلميذه د.طارق شعبان، اللذين كلّفاني حينئذ بعملية تحرير الترجمة، الذي قدم لها أ. د. مصطفي الفقي.

يؤكد إغناسيو أولاغوي في هذا العمل على أن العرب لم يدخلوا إسبانيا بالسيف كما هو متعارف عليه واشتُهِر، بل كان كانت نتيجة لهجرات متعددة للمسلمين الذين وضعوا على كاهلهم نقل ثقافتهم إلى الإسبان الذين كان يدين أغلبهم آنذاك بالعقيدة المسيحية، والذين رأوا في الإسلام دينًا منسجمًا مع تصوّرهم الاعتقادي؛ كما أشار المؤلّف بصورة ضمنية إلى أن قوة الأفكار في الإسلام كانت أشبه بالقوة الناعمة التي تسللت إلى هذا العالم الجديد؛ لذلك نراه يدعو إلى إعادة قراءة هذه الحقبة التاريخية تأخذ بعين الاعتبار كلّ ما تبقّى من تاريخ إسبانيا الوسيط في مختلف المجالات، وقد استعان الكاتب لتأكيد نظريته بمعطيات تخصّ حقولاً معرفيّة جدّ متباينة كالجغرافيا، والهندسة المعماريّة، والإثنوغرافيا، وعلم الحفريّات… الخ!

في هذا الوقت العصيب الذي يمر على بلادنا في نزاعها مع أثيوبيا- الذي عج بما هو عاجل وداهم – ما أحوجنا إلى القوة الناعمة، لا من أجل التمكن من أجل إيجاد جذري قريب في مسألة مياه النيل، بل للقيام أولا بعرض مفاهيم الأخوة الإنسانية – خاصة مع البلاد التي يربطهم مصير عيش واحد كأثيوبيا ودولتي المصب – التي طالما قام أزهرنا الشريف بالنداء إليها؛ ومن هنا يأتي دور الأزهر كقوة ناعمة يمكنها النفاذ إلى جارتنا “أثيوبيا”، وخاصة أن المسلمين فيها يشكلون أكثر من نصف مجموع سكانه، وينخرط معظمهم في الطرق الصوفية؛ والأزهر (بالطبع) يستوعب المناهج الفكرية المعتدلة لمثل هذه الطرق ويتبناها فكريا في كثير من الأمور لخدمة المجتمع الإسلامي عامة والمجتمع المصري خاصةً.

في كلية “اللغات والترجمة” التابعة لجامعة الأزهر هناك قسم للدراسات الإسلامية – الذي أنتمي إليه- يندرج تحته ست شُعَب، ضمنها شعبة “الدراسات الإسلامية بالألمانية”، وشعبة “الدراسات الإسلامية باللغات الإفريقية”؛ وقد أفلحت شعبة “الدراسات الإسلامية بالألمانية” في أن تلعب دورا لا يستهان به كقوة ناعمة في ألمانيا، من خلال عقد اتفاقيات علمية لتبادل الطلاب بين جامعة الأزهر العريقة وجامعات ألمانيا؛ وقد سافر كثير من الباحثين إلى ألمانيا وأثبتوا أنهم بحق قدوة لأزهرهم وبلادهم، وبعضهم حصل على وظائف في مجالات مختلفة، واستقر بهم المقام هناك؛ ويحضرني هنا قول أحد أعضاء البرلمان الألماني إن الأزهرية يأخذون وظائف الألمان عن استحقاق، كما يحضرني أيضا ما ذكره لي أحد الأساتذة الأجانب متعجبا – أثناء زيارته منذ ثلاثة أعوام لكلية اللغات والترجمة بالجامعة الأزهرية – أن هذه الشعبة لا تقوم بتخريج طلاب قادرين فقط على التعامل مع اللغة الألمانية، بل لديهم قدرة خلّاقة في الحوار مع الآخر.

الآن وليس غداً جاء دور شعبة “الدراسات الإسلامية باللغات الإفريقية” كأداة لقوة بلادنا الناعمة في أثيوبيا؛ يقوم أزهرنا الشريف – القادر على النفاذ بحكم موقعه الديني في العالم الإسلامي ومصداقية شيخه الأكبر – بدفع من يراه من خريج أو أعضاء هذه الشعبة أهلاً للقيام بهذه المهمة ولديه وعي بأدواتها وكيفية اقناع الآخر بعدالة قضيتنا، على أن تقوم المؤسسات المعنية الأخرى في بلادنا بدعم ذلك ماديا ومعنويا.

إن الأمر داهم وعاجل، يدعونا نحو التحرك بهذه الطريقة وسلوك هذا الطريق، حفاظا على المقدرات المائية للأجيال القادمة بمصر والسودان بعيدا عن الصراعات العسكرية، التي من شأنها أن تنهك البلاد والعباد؛ ولا ننتظر أن يؤتي ذلك أكله اليوم، بل هو بمثابة خطوة بتؤدة إلى الأمام نحو الحوار البنّاء مع الجانب الأثيوبي، حتى لا يجور أحد منا على حق الآخر في الحياة بسلام وسلم؛ هذا وإن لم نقم بإعمال مثل هذه القوة الناعمة سنقف مكتوفي الأيدي خائري القوى، أمام الحصول على حصتنا المائية التي ستصب خلف سد أثيوبيا، ولن تطولها غداً أيادينا أو حتى أفواهنا، وحالنا حينئذ أن نبكي على الماء المسكوب.


هذا المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه ولا يعكس بأي شكل من الأشكال وجهة نظر «شبكة وقت»، كما لا يترتب علينا أي مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات