مقالات

د. حسام الدين بدر يكتب: المسألة الفلسطينية وعودة الوعي

تمتد مسألة “الأنا والآخر” بجذورها إلى وجود الإنسان الأول على الأرض حيث قصة قابيل وهابيل، وهي مسألة وُصِفت بالجدلية في الفلسفة الحديثة ، وخاصة في ظل ما يجري اليوم في العالم من حروب وصراعات؛ وغالبا ما يُنظر إلى الآخر على أنه عدوٌ يشكل على الدوام تهديدًا للهوية الذاتيّة، وتظل العداوة محتملة حتى في حالة السلم الحقيقي بين الطرفين، فما بالك لو كان محض خيال.

يعكس النصف الثاني”من القرن الماضي أوج مراحل الصراع بين الأنا العربيّ الإسلاميّ، والآخر المتمثل في الآخر العدو الصهيونيّ والإمبرياليّة الأمريكيّة ، لتجسد نكبة فلسطين الأنا المهزوم ليس فقط بفعل الأخطاء، ولكن وبالأخص بفعل مؤامرت الآخر، لتتبلور تلك الثنائية ( الـ “أنا” الضحية و”الآخر” المعتدي) في العدوان الثلاثي.

تكتمل فصول المأساة عشية حرب يونيو 1967م، تلك الهزيمة التي كشفت عن هشاشة الأنا وتشظيه، حيث أبدت بعض الأنظمة العربيّة شماتة في هزيمة مصر، وأما عن الآخر ونظرته إلى العربيّ، فيكفي أن نذكر ما سجله التاريخ المعاصر من الإهانات والاحتقار الذي كان يلاقيه العرب في البلدان الغربيّة (خاصة في باريس ولندن وأمريكا) إثر حرب 67، ومثّل هذا الاتجاه المقيت ليس فقط امتهانا للذات العربيّة، ولكنه تحيز سافر للجانب الآخر في الصراع، ونقصد به هنا الكيان الصهيونيّ.

وبهذا فإن الآخر يتمثل في طرفين، رغم الاختلاف على هدف التأمر على الإنسان العربيّ ثقافة وحضارة وعرقا ودينا؛ ورغم ذلك حاولت حرب الاستنسزاف أن تجعل من “الأنا” مقاوما يخشى ضياع هويته؛ وفي حرب أكتوبر بمكتساباتها أطلت علينا بآمال التشبث بهويتنا والتمكن منها، بصورة جعلتنا فخورين بعروبتنا وببلادنا.

وفي التسعينيات اتسعت الهوة بين الأنا والآخر حين فشلت الامال في تحقيق السلام ، بدأً من غزو لبنان 1982م، وحرب الخليج1991م، ثم اتفاقية أوسلو 1993م، إذ يتحول الأنا إلى شظى، ليكون السؤال الجوهري أين الأنا ليواجه الآخر؟ لقد أصبح “الأنا” ضحية مستسلمة للآخر، الذي يقتطع من أرضه وكرامته يوما بعد يوم، يريد سحق هويته دون أن يترك له فرصة ولو التقاط أنفاسه.

إن ما حدث في فلسطين في الماضي ومايقع حاليا ، إنما هو الحلقة الأحدث في تاريخ الصراع بين الشرق والغرب، ويذكرنا هذا بكتاب الفيلسوف الأمريكيّ نعوم تُشُومِسْكِي Noam Chomsky النظام العالميّ القديم الجديد” الذي يستعرض تاريخ ا صراع الغرب ضد الشرق العربي، ويؤكد على أن الاستراتيجية واحدة وإن اختلفت الوسائل وأشكال التنفيذ.

إن ما يمكننا أن نستفيده من تلك الهجمات الشرسة الحالية على قطاع غزة، يكمن في نقاط نوجزها في:

– بدأت أسطورة اسرائيل في الترنح للمرة الثانية بعد حرب رمضان ، وما بدا لنا من ظهورها مرة أخرى في صورة الذي لا يقهر أصبح هراء، فلا قبة حديدية ولا قوة نووية يمكن أن تمنعها من رد فعل أصحاب الحقوق؛ بحيث تبدّى لنا أنه ورغم كون المقاومين أقل عدة وعتادا، أنهم أشد بأسا؛ في المقابل ظهر الساسة وعلى رأسهم نتانياهو –الذي أعمل السياسة وألاعيبه افي الدين- أكثر بؤسا, يعضون بنان الندم أن أقدموا على اجتياح المسجد الأقصي.

– تأكد يقينا أن أجهزة الاستخبارات الصهيونية أقل مما عكسته نفيرها وإعلامها، وأصدق دليل على ذلك استحواذ المقاومين على أسلحة طالت عمق الكيان الصهيوني.

– لم ولن يحقق الكيان الصهيوني الهدف المرجو من غاراته المدمرة على القطاع، ألا وهو الحصول على أمنه، بل بدا وكأنه امرأة وقفت أمام المارة كاسية عارية، تحاول ستر عارها بنوع من التبجح الفج السافر.

– رغم أن تأييد الغرب للكيان الصهيوني في حربه على غزة، فهو في مأزق شديد وفي حالة تحتاج إلى إنقاذ؛ إلا أن صورته قد شوهت لدى شعوب العالم، وخاصة بسبب إعمال القتل في الأطفال والنساء والشيوخ، وهو أمر لم نسمع عنه على الجانب الآخر، أي على جانب المقاومين.

– تبيَّن لنا أن العقل الجمعي العربي داخل فلسطين وخارجه وحدة واحدة، فقط يريد لحظة تأجيج حتى يستعيد وعيه الكامل بقضيته، وقد انعكس هذا في ردود فعل أهلنا في الضفة الغربية؛ كما انعكس أيضا في ردود أفعال العرب على السوشيال ميديا تجاه ما يقع في غزة .

– امكانية أن يستفيد العرب جميعا بما فيهم دول الخليج ومصر من تحجيم دور الكيان الصهيوني في المنطقة، وخاصة أن شعوبنا بحكم نزعاتها الدينية ستقف وراء كل من سيقوم من قادة العرب بأي دور (كبُر أو صغر) في الدفاع عن المقدسات قي فلسطين، وحينها لا قيمة للأصوات التي تثير فزاعة انقلاب الشعوب على حكامهم.

– إمكانية عودة مصر إلى دورها القيادي من خلال الذود عن أهلنا في فلسطين،ومجابهة الدور الخفي للكيان الصهيوني في موضوع سد النهضة، الذي يراد به تركيع مصر، فالفرصة حاليا سانحة لتحقيق ذلك، نهفو ألا تكون ضمن الفرص الضائعة.

رغم استشهاد الكثيرين وسفك الجيش الصهيوني لدماء الأبرياء من أطفال وعجائز ونساء، قد أثبت أهلنا في غزة أنهم قادرون على إعادة الوعي لأمتنا العربية، وأنه يجب عليها بأي صورة كانت الحفاظ على هويتها وعلى راسها المسجد الأقصى؛ ولا يعني هذا أننا كأمة عربية نريد الخوض في حروب – كما أشار إلى ذلك المعنيون بالسياسة في مصر- يمكن أن تنهك جميع الأطراف، بل هو انتصار للحقوق، من خلاله يمكن الولوج إلى حل يرضي الجميع؛ بحيث تكون نقطة البدء أن يعترف الآخر بخطأه حين أراد أن يدنس مسجدنا، ويقهر فينا إحساسنا بالكرامة، ولم يع أن الوعي العربي وإن غاب لزمن بفعل فاعل، إلا أنه اليوم قد عاد على أيدي أناس توجسوا خيفة من ضياعه إلى الأبد؛ إنها مسألة الإنسان وحقوقه المختلفة.

أستحضر في مقامي هذا سؤال طرحه السيناتور الأمريكي ساندرز Bernie Sandersفي مقال نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية بصدد الأحداث الجارية، حيث ذكر: “إن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها، لكن ماذا عن حقوق الفلسطينيين؟”- تساؤل كهذا يؤكد ضمنيا على أنه حان الآوان (ولا مناص من ذلك) من أن يكون الحوار العادل البنّاء الهدف الرئيسي للطرفين، الذي عبره يتحد الأنا والآخر من أجل هدف أسمى، ألا وهو دفْع المخاطر عن كوكب الأرض، وعلى رأسها وباء الكورونا .


هذا المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه ولا يعكس بأي شكل من الأشكال وجهة نظر «شبكة وقت».

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات