مقالات

طارق دياب يكتب: دراما الصعيد بين الواقع الضائع والأسطورة المحفورة

فتح مسلسل (نسل الأغراب) جرحاً لا يندمل، ووضع العديد من علامات التعجب على فشل الدراما في تقديم نموذج للشخصية الصعيدية العادية التي تمثل أغلب أهل الصعيد بلا مبالغة في الأداء أو مط وتطويل في الكلام أو (بحلقة) في العينين مثل ما فعله (عمرو واكد) في مسلسل (مسألة مبدأ) وبلا مبالغة في الملابس وطريقة لفة العمة والإكسسورات التي وصلت لوضع الكحل في عيون الممثلين الرجال كما رأينا في مسلسل (نسل الأغراب)!!!

 

لقد تم تهميش الصعيد منذ عقود طويلة وعانى من الفقر وذهاب خيراته للحكومة المركزية وعدم نظرة الدولة له بعين العدل والمساواة كما تنظر للعاصمة ولأهل الشمال وعدم وجود مشاريع تنموية تخلق فرص عمل لشيابه مما دفعهم للهجرة الخارجية لدول الخليج والهجرة الداخلية للقاهرة والإسكندرية حتى مشروع (توشكى) الذي كانت تعقد عليه الآمال تقزم حتى استحال لمزرعة خاصة لأمير عربي. وصار الصعيد منفى وعقوبة لرجال الدولة الفاشلين ومرتعاً للمجرمين ووكراً للإرهاب والفتنة الطائفية وتجارة السلاح. وبدلاً من أن تعالج الدولة هذه الأوضاع وتحسن من الظروف المعيشية لأهل الصعيد للقضاء على ظواهر العنف وارتفاع معدل الجريمة لجأت للحل الأسهل المواجهة الأمنية!!!

 

كما لجأت الدولة إلى الحل الأسهل لجأت الدراما للحل الأسهل عند تصويرها للشخصية الصعيدية وعملت على تنميط الرجل الصعيدي إلى نموذجين لا ثالث لهما:

 

النموذج الأول يتناول الصعيدي الساذج البطيء الفهم الفاتح لفمه دائماً (واللي جده اشترى الترماي وعمه اشترى العتبة الخضرا)

 

والنموذج الثاني: المجرم صاحب البنية الضخمة والشارب الكثيف والذي يمسك السلاح ويضرب (بالنار عمال على بطال). أما المرأة الصعيدية فهي إما الأم القاسية ذات النظرات الجامدة (والحواجب المقلوبة) التي تطالب ابنها بأخذ ثأر أبيه، أو الفتاة المغلوبة على أمرها المضطهدة والتي بسبب القيود المفروضة عليها تفقد شرفها في لحظة ضعف فيكون مصيرها الموت (مثل هنادي) !!!! من هذه الأنماط عمد صناع الأفلام القديمة إلى عمل (توليفة) تحتوي على الكوميديا اللامعقولة والميلودراما اللامنطقية وإضافة بعض من (الشطة والتوابل) يتمثل في راقصة (غازية) ومطاردات بوليسية وكأن الأحداث تدور في (شيكاغو) وليس في الصعيد!!!

 

وعندما تناولت الدراما مشكلة الأخذ بالثأر تناولتها بشكل سطحي ساخر لم يأخذ في الاعتبار دراسة هذه الظاهرة من جميع جوانبها ولم تأخذ في الاعتبار دوافع التشبث بهذه العادة رغم ما تجره من عواقب وتشريد أسر كاملة ولم ترصد الدراما استفحال هذه الظاهرة بسبب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية المتردية في بعض مناطق الصعيد. كل ما يهم الدراما هو انتقاد عادات أهل الصعيد وجهلهم وتصويرهم على أنهم كائنات فضائية لديهم ميل غريزي لسفك الدماء وإزهاق الأرواح. ونظرت الدراما بعين مفتوحة وأخرى مغلقة لأسباب تلك الظاهرة وأرجعتها إلى الجهل والتخلف ولكنها لم تفسر أسباب استمرارها وتفشيها بين المتعلمين في الوقت الحاضر. ولم يجد صانعو الدراما الشجاعة الكافية لانتقاد أنفسهم وإعلان مسئوليتهم عن الانحدار في الأخذ بالثأر إلى مستنفع قطع الطرق والقتل العشوائي وذلك بما يقدمونه في الأفلام والمسلسلات من مشاهد عنف وإجرام أدى إلى ارتفاع معدل الجريمة في جميع أرجاء البلد وليس في الصعيد فقط.

 

وإذا كنا نلتمس بعض العذر لدراما الخمسينات والستينيات لهذه المعالجة السطحية للصعيد وقضاياه فما عذر دراما السبعينيات والثمانينيات؟!! فمنذ سبعينيات القرن الماضي انتشر التعليم في الصعيد وسطعت أضواء الكهرباء في قراه وغزت مظاهر التحضر والمدنية معظم مناطقه. ومع ذلك ظل صانعو الدراما يعالجون نفس التيمات التقليدية ( الأخذ بالثأر، القتل بسبب الشرف، صراع العائلات على النفوذ والعمدية، ……) بنفس الطريقة التقليدية.

 

ولم ينتبه صانعو الدراما للظواهر الجديدة التي طفت على سطح المجتمع الصعيدي بسبب التحضر الزائف وهجرة عائل الأسرة للبحث عن لقمة العيش إلى دول الخليج أو إلى إحدى المدن الكبرى كالقاهرة والإسكندرية بل الأهم لم تعالج الدراما في تلك الفترة أخطر تلك الظواهر وهي (التطرف الديني) الذي نشأ في فترة السبعينيات واستفحل خطرها في الثمانينيات. وأظن أن الدراما قد أثرت البعد عن (وجع الرأس)؛ لأن هذه الظاهرة نشأت بتفاعل عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية وتربوية تدين الدولة وإهمالها للصعيد وشبابه لدرجة أصبح جزء منه بيئة حاضنة لفيروس (التطرف والإرهاب).

 

أتذكر في أواخر الثمانينيات وبعد عرض مسلسل (سنبل بعد المليون) ثارت ثائرة (أهالي سيناء) ووصل الموضوع لمجس الشعب وقتذاك لأن المسلسل سخر من عادات وتقاليد (بدو سيناء) بل وقدم صورة مغلوطة عن طرق معيشتهم وأكلهم وتقاليد زواجهم.

 

واحتوى المسلسل أيضاً على مشاهد سخرية من الصعايدة وقدمهم في صورة كاريكاتورية: أشخاص بسهل خداعهم وإيهامهم بأن (سيناء) هي (السعودية)!!! ومع ذلك لم تثر ثائرة (نواب الصعيد) مثل نواب (سيناء). وكأن الصعايدة ألفوا هذه الصورة المهينة التي تقدمهم بها الدراما والتي التصقت في أذهان المشاهدين في مصر والوطن العربي فغطت على واقع الصعيد الحقيقي وحولته إلى ما يشبه أسطورة من أساطير العصور الوسطى (ناس أجلاف غير متحضرين يركبون الخيل ويتفاهمون بالسلاح !!!)

 

في التسعينيات ظهر كتاب دراما أصلهم من الصعيد مثل (محمد صفاء عامر) و(عبدالرحيم كمال) فاستبشرنا خيراً بأنهم سيقدمون صورة حقيقية عن الصعيد يعالجون قضاياه ومشاكله بطريقة واقعية تمحو من الأذهان ما علق بها من أساطير ومبالغات عن الشخصية الصعيدية!!! فهل نجحوا في ذلك أم وقعوا في تفس أخطاء الدراما الصعيدية التقليدية؟!!! هذا ما سوف نعرفه في مقال آخر…

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات